اذاعة وطني

الجمعة، 11 يناير، 2008

أبتاه أبكيك بقلمي



قال تعالى

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ صدق الله العظيم

أبتاه

فراقك آلمني وقطع أحشائي ولم يعد للساني أن ينطق لولا أنني موقن بأنني سألتحق بك عاجلا أو آجلا

لما استطعت أن أسكت لحظة لفراقك وأنا أبكيك .

أبتاه

أيها اليتيم لقد نشأت في اليتم فلا أب ولا خال ولا عم وجدته في صغرك

ولم تترعرع كما ترعرعنا نحن أبناؤك في حضنك وفي كنف حنانك

وتحت غطاء برنو سك الناصع بالبياض الطاهر .

أبتاهلقد أعطيتنا ولم نعطيك

وسافرت من أجلنا فلم تغريك الحياة الحلوة التي كان بإمكانك أن تنالهامن خلال المكانة التي كنت تتمتع بها آنذاك

فكنت زاهدا ولم نكن نحن ندري عن الزهد شيئا وقتذاك

كنت تعيش كالشمعة أو المصباح الذي يضيء لغيره ويحترق

فكنت نعم الأب ونعم الرفيق

كيف لا وأنت تحمل كنزا بين ثناياك

كنت تردده والناس نيام

كنت تختمه في شهر الصبر سبعة مرات وكنت تختمه في المسجد مع الجماعة مرة في الشهر

وكنت تتلوه ليلا ونهاراعندما كنت تأتي ونحن صغارا كان إمام المسجد الطاهر يتلعثم أمامك رهبة من رهبات

كليس خوفا إنما لمكانتك عنده

وهذا إحساس كل تلميذ أمام معلمه

لقد غرست شجرة لازالت ثمراتها لم تنقطع إلى يوم الناس هذا

ولازال طلبتك يذكرونك في كل عيد وفي كل موسم .

أبتاه

أبكيك فلقد تحرك قلمي في غيابك ليس كما يتبادر إلى الذهن

أنه كما قيل عندما كان حيا إشتاق لحبة وعندما مات عُلق له عرجونا

إنما هي رهبة كما أسلفت فكل من عرفك يستطيع أن يشهد بذلك

أبتاه

حان الوقت لأستذكر كلامك في كل موقع وفي كل محطة أحط بها

ليس لأنك ملكا ولا رسولا

بل لأنك إرادة فاقت إرادتي وتصور فاق تصوراتي

أبتاه

يانعم الأب الأنيس تعلمت منك

وأخذت شبها وإسما وخصالا تعود بالرحمة إليك فتاتي لتحلق عليك كالهدية على صاحبها وهو بها فرحا

فرحمك الله يا أبت

يلم أسمع في حياتي أبدا أنك مدان أو أخذت مال أحد

وكل من توقفني سألني عنك وعن حالك في صحتك وفي مرضك

تركتك فوق فراش الموت

كان آخر كلامي معك الوداع

وكانت آخر نظراتك دموع لن أنساها حتى ألتحق بالرفيق الأعلى.

كان يوم أن كنت تحتضر يوم مظلم بالنسبة لي

كنت أعيش بجسدي في أوربا وأحيى بروحي معك

كانت روحي كأنها تتدحرج وتريد الخروج بدل روحك الطاهرة.

أيها المعلم في بلد تخرج فيه على يديك المئات من الطلبة

وحفظ القران على يديك كذلك

لقد قال من لا ينطق عن الهوى ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))

أيها الأب الكريم

أيها المعلم

لم أعرف قدرك الحقيقي إلا بعد أن غبت عني

مع أنني تجاوزت الثلاثين آنذاك

لكنني كنت أحس أمامك أنني طفل

لازلت أحتاج إلى مداعبتك

كنت نعم الناصح ونعم الأمين كنت نعم الأب الرزين

جبل أشم لا يعرف الإستكانة أمام العدوتعلمت منك الغربة قبل أن أسافر

وتعلمت منك الاقتصاد قبل أن لا أكون أملك درهما ولا دينارا

وتعلمت منك الصدق والشهامة في المواقف

أبتاه

أبكيك اليوم بحرقة شديدة

أبكيك بقلمي وأبكيك بوقتي

أبكيك بقلمي

لأن قلمي اليوم لم يعد ذلك القلم المحاصر المحبوس

وأبكيك بوقتي لأن وقتي اليوم أصبح يعد بالدقائق واللحظات.

أبكيك اليوم أبتي بعدما هاجرت تلك البلدة التي علمتني حجارتها وتربتها النظيفة من التلوث صلابة الموقف

وعلمتني تلك التربة الطاهرة الحنان الصافي

أيها الأب الطاهر طهارة برنو سه الأبيض

أيها الأب المصلي الصائم القائم نعم الأب ونعم المعلم

هاجرت أنت أوربا وهاجرت أنا إليها

كنت في صغري أطرح عليك أسئلة للمعرفة

وكنت تعلم أيها الأب أنك لا تستطيع أن تقنعني بإجابتك

تعلم صغر عقلي فكنت تجيبني عندما تكبر ستعرف يا ولدي

عرفت اليوم أبتي لماذا هاجرت أوربا وعرفت لماذا كنت تحرص على هجرتها

وعرفت ولازلت أتعلم لكن تعليمك اختصر علي كثيرا من الأمور

أبتاه

أيها المعلم يا نعم الأب

أبكيك مع علمي أن بكائي حسرة وألم

أبكيك وأنا متأكد أن البكاء والندم لا ينفع

لكن أبكيك ليسمعني من في الوجودويتعلم من بكائي وحسراتي كل من لازال يتمتع بالأبوة

,أبتاه

هاأنذا اليوم بأولادي وبإمكانياتي أعيش وسط العشب ووسط بهيج الدنيا

لا تخصني الماديات التي كنت أتمنى أن أصل إليها وأعيش وسط الأمن الذي كنت أريده لي ولأهلي وأبناء بلدي

لكن صدقني يا أبي إني لا أعرف لهذه الأشياء ذوقا ولا لونا

فكل ما كنت تجلبه لي من السوق مرة في الأسبوع بتلك القفة المصنوعة تقليدياكانت له بركة مع قلته

كيف لا ويدك الشريفة المتوضئة تحمله فوق دابتك التي كنت تمتطيها والطلبة من حولك يرددون مرحبا يا سيدي الشيخ

أذانك أسمعه ولو في منامي وابتسامتك تعانقني كأنها بطارية تزودني بطاقة افتقدتها في غيابك

أراك ولو في الشهر مرة مثل ما كنت بصحتك وعافيتك

وأتحدث معك مثلما كنت تحادثني

لقد جاء اليوم الذي تحررت من بعض القيود التي كانت تحاصرني و المظاهر التي كانت تخدعني

واستطعت بحول من الله أن أذكرك فحق لك عني هذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين

كنت مدرسة حقيقية لمن أراد أن يتعلم

وهذاليس غلوا ولا غرورا وإنما هو واقع معاش

فكان بحضورنا أمهات بل جدات بأحفادهن يأتونك ليبتن في حضن بيتك فيعترفون أنهن مهما أكلن فأكلك له ذوق آخر

ويعترفن بأنهن عند مزاحك لهن لا يحسسن باليتم فأنت أبوهن فمنهن من كن يناديك بخالي وسيدي الطالب

ومنهم من لا يهنئ له فرح ولا قرح إلا أحضروك إليه

ويقولون لك أنت بركة كنت محل قاض

يفكثير من الخصومات في وقتك حلت وكثير من العاهات شفيت بإذن الله

كان الصرعى يؤتون بهم من كل مكان وكنت تخرج الجن فيتعافى المصابون بإذن الله

وكان من المغتربين من يختصك بزيارة أو هدية للعرفان بمجهوداتك التي بذلتها في تعليم القران

كان من المغتربين من يصرفك على بيته إلى أن يعودوكان الأكثرية ممن يوكلونك في زواجا تهم بسبب ائتمانك من طرفهم فالمسلم من آمنه الناس

اليوم رحلت كما رحل من قبلك أناس سنتذكرهم مثلما نتذكرك

لأنهم كانوا بجانبك في السراء والضراءوقد ساهموا هم كما ساهمت أنت

وقد كتب الله أن تدفن معهم كما أخبرني الأهل والأحباب فكما كنت في الحياة شاء الله أن تدفنوا جوارا

فهذا الطاهر وهذا محمد بن أحمد وهذا محمد بالي وهذا البشير بن خبابه وهذا أحمد بن بابان شيوخ كأنهم شمس إنطفأت وحل مكانها ظلام إنها حقيقة لا ينكرها إلا معاند أو مكابر

ولمن أراد أن يتأكدفليدخل المسجد فأين تلك الوجوه النيرة وأين الصف الأول

سيقول القائلون هذه سنة الحياة نعم

إنها سنة الحياة فأين عدتناأين للمعلمين نصيب بل أين للقرآن الذي كان يملأ البيوت نورا

إنها كلمة حق مرة نشعر بها ونريد أن نستذكر من خلال هذا الغياب دور معلم القرآن الذي كان أيام زمان يُنظر إليه على خلاف اليوم

إنهم تركوا الدنيا من أجلنا وكان بإمكانهم أن يفعلوا كما نفعل نحن لو فكروا كما نفكر اليوم أنهم ماضي وانتهى

فهل من صحوة ضمير محتملة وهل من مراجعة للنفس

وهل من شهادة حق نشهد بها على أنفسنا؟؟؟

أننا مقصرون في جنب الله وفي جنب معلم القرآن

أبتاه

أكاد أكون متيقنا أن بكائي سمعه حتى الحيوانات فكيف ببني الإنسان

أردت أن أبكيك فلعل من لم يستطع إخراج دمعاته لفقد عزيز أو قريب ويتنهد حسرة بين ضلوعه أن تعينه كلماتي لخروج تلك الآهات فتكون بذلك كأنها لبن صافي

لأنها تخرج من قلب مؤمن مكدر بالأحزان

ولعل من ذهب عنه البكاء ولم يعد يحس فلعل آهاتي تحرك مشاعره

فيستذكر ماضيه ليعانقه من جديدويعود بذلك إلى سنوات الحنين فيشقق فتخرج منه الأنهار ويستقيم حاله

أبتاه

تركتني وأنا اليوم في بلاد أعيش مع الماضي الأليم

وكلما حاولت أن أتناساه جاء حدث آخر فأعادني من حيث بدأت

دعني أبكي ودعني أصرخ

ليسمعني كل من له أبواه فيتخيل الفراق كم هو مؤلم

لعله يستغله حتى لا يقع له كما وقع لي

أيا أيها الإنسان يا من تملك أبوين يا من تنعم بنعمة الأمومة والأبوة

إن هناك أمانة عندك فحافظ عليهاوابذل في سبيلها ما بذل من أجلك

فسيأتيك اليوم إن كتب لك البقاء بعدهمافلا تعرف للحياة طعما بعد غيابهما حتى وان امتلكت جبالا من المال والأولاد

سارع واحتضن أبواك يا من تمتلك هذا الكنز حاول أن تحتفظ به قبل أن يضيع منك

فتقفل الأبواب في وجهك باختفاء مفتاح ذهبي ولا تجد بعده بديلا

أبتاه

أعود لأبكيك اليوم في ديار الغربة وأحتسي دموعي بكتابة هذه الأحرف

وأعلم أنني أبكيت من هو مقصر أو مفرط

أبكيك فلعلي أساهم برحمات تنزل فتزف إليك لأن عملك إنتهى ولم يبقى لك منه إلا ثلاث

فلعل واحدة منها هاهي تحلق عليك اليوم

فرحمك الله رحمك الله رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك في عليين مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

http://bilahoudoud.net/showthread.php?t=70

ليست هناك تعليقات: